محمد أبو زهرة

104

المعجزة الكبرى القرآن

أنهم نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم ، فكان لا بد لكي يدركوا صالح أمورهم أن يؤمنوا باللّه وأن يذكروه في أعمالهم ظاهرة وباطنة ، فهم لا ينقصهم الجد في العمل ، ولكن ينقصهم الإيمان ، فقال لهم : لَوْ لا تُسَبِّحُونَ أي هل تسبحون وتنزهون اللّه تعالى ، وتقدسونه ، وتعلمون أنه القاهر فوق كل شئ ، وأنه العليم الحكيم ، وهنا كان فيما حكاه اللّه تعالى بالتعبير قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) الاستفهام الداخل على النفي في معنى الإثبات ؛ لأن نفى النفي إثبات ، وهو يدل على التوبيخ ، وتذكيرهم بأنهم لم يفعلوا ما فعلوا فاقدين للمنبه المرشد ، فقد أرشدهم إلى الطريقة المثلى والمنهاج الأسلم ، وهو الإيمان باللّه تعالى وتقديسه وتنزيهه ، والإحساس بأنه الغالب على كل شئ ، القاهر فوق عباده . 64 - إن المفاجأة مع التذكير ، ووجود الضمير والنفس اللوامة من شأنها أن تحيى موات القلوب ، وخصوصا أنه وجد من بينهم من ربط بين الحرمان الذي فوجئوا به ، والضلال الذي كان من نسيان ربهم ، وحرصهم وطمعهم ، وتفاهمهم على حرمان الضعيف مما أخرج اللّه تعالى من الأرض ، كان ذلك كله سبيل الهداية التي تجىء ، ومن القارعة التي تقرع الحس والنفس تنبهوا فعلموا ما ينقصهم ، وأنهم لهجوا في الدنيا ، ولم يذكروا اللّه تعالى خالق السماوات ، فقالوا فيما حكى اللّه تعالى عنهم : قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 29 ) . بعد أن تنبهوا من غفلتهم ، واستأنسوا بالحق من تذكير أمثلهم طريقة استجابت نفوسهم لداعيه ، وعلموا أمرين : علموا أنهم كانوا غافلين عن ربهم ، وعلموا أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس فيما تخافتوا به ، قالوا في إعلان إيمانهم باللّه : سُبْحانَ رَبِّنا نقدس وننزه ونسلم أمورنا لربنا الذي خلقنا وربانا وهو الحي القيوم القائم على كل شئ ، فرجعوا بذلك إلى اللّه تعالى خالق كل شئ ، ولكن لا يكون الرجوع كاملا ، إلا إذا تابوا توبة نصوحا ، وأحسنوا التوبة ، وأول طريق للتوبة هو الإقرار بالذنب ، إقرار من يحس بذل المعصية ، وذل الذنب قربة ، كما يقول ابن عطاء اللّه السكندرى : « إن معصية أورثت ذلا خير من طاعة أورثت دلا » ولهذا الإحساس بالذنب ، قالوا مؤكدين القول : إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ لقد ظلموا أنفسهم بطمعهم وحرصهم ، ونسيان ربهم ، وظلموا الناس بمنع الفقراء من حقهم ، وإن الإحساس بألم المعصية من شأنه أن يجعل كل واحد يلقى تبعة التقصير أو التنبه على غيره ، فهم كانوا مجتمعين على طمعهم وحرصهم وتعجلهم ، ولكنهم بعد أن أحسوا بجرمهم أخذ كل واحد يتبرأ من أنه الذي ابتدأ بالدعوة بالمعصية ، وأن الآخر هو الذي دعا فأجاب ، ولذا قال اللّه تعالى حكاية عنهم بعد أن دخل الإيمان قلوبهم وأشربوا حبه : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ( 30 ) كل واحد منهم يلقى على الآخر لوما ، لا كل اللوم ، فإنهم جميعا